أحمد بن يحيى العمري

209

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

له لياليه وفاء السحب الثجّاجة ، فمسّ السماء ومسحها ، ومدّ النعماء وفسحها ، والحق يسعده ، ويقربه ولا يبعده ، دامت به كل عين قريرة ، ونسبته على المحاسن قديرة ، وهو للمتبصر سيف لم يثلم ، وللمقتصر شرف ما كلّ من رقا إليه بسلّم يسلم ، فكان فضله شيء جزم به وقطع ، وعلم أن غيره لو حاوله لم يستطع ، تهلل به وجه الدهر وكان قد كلح ، وصلح به فساده وقطّ ما صلح . قال عبد الله بن شكر اليونيني : كان الشيخ - رحمه الله تعالى - في شيبوبيّته قد انقطع في الجبل ، وكانت أخته تأتيه كل يوم بقرص وبيضتين ، فأتته بذلك مرة ، وإذا بفقير قد خرج من عنده ومعه قرص وبيضتان ، فقالت له : من أين لك هذا ؟ . قال : من ذاك القاعد ، له شهر كل يوم يعطيني قرصا وبيضتين ! . فأتته وسألته ، فنهرها ، وزعق فيها . « 1 » وقال خليل بن عبد الغني « 2 » الزاهد الأنصاري : كنت بحلقة الحنابلة إلى جانب الشيخ عبد الله ، فقام ومعه خادمه توبة إلى الكلاسة ، ليتوضّأ ، وإذا برجل متختّل يفرّق ذهبا ، فلما وصل إليّ أعطاني خمسة دنانير ، وقال : أين سيدي الشيخ ؟ . قلت : يتوضأ . فجعل تحت سجادته ذهبا ، وقال : إذا جاء قل له : مملوكك أبو بكر التكريتي يسلّم عليك ، ويشتهي أن تدعو له . فجاء الشيخ وأنا ألعب بالذهب في عبّي ، ثم ذكرت له قول الرجل ، فقال توبة : من ذا يا سيدي ؟ . قال : صاحب دمشق ؛ وإذا به قد رجع ، ووقف قدام الشيخ ، والشيخ يصلي ، فلما سلّم أخذ السواك ودفع به الذهب ، وقال : يا أبا بكر ! كيف أدعو لك والخمور دائرة في دمشق ؟ . وتغزل امرأة وقيّة تبيعها فيؤخذ منها قراطيس ؟ . فلما راح أبطل ذلك ، وكان الملك العادل . وقال محمد بن أبي الفضل : كنت عند الشيخ ، وقد جاء إليه المعظّم ، فلما جلس عنده ، قال : يا سيدي ! ادع لي . قال : يا عيسى لا تكن نحس « 3 » مثل أبيك ! . فقال : يا سيدي وأبي

--> ( 1 ) تاريخ الإسلام 44 / 338 . ( 2 ) ابن مقلّد . ( 3 ) هكذا في الأصل المخطوط ، وفي تاريخ الإسلام ، وصوابه " نحسا " .